محمد حسين هيكل

358

حياة محمد ( ص )

كلها كما تسرع كل حقيقة صادقة إلى الانتشار . فلمّا جاء المتأخرون ممن دخلوا في الإسلام وغزوا للفتح وأخذوا بالسيف أخذوا من بعد ذلك بالسيف . لكن الإسلام لم يأخذ بالسيف ولن يؤخذ بالسيف . هو لم يأخذ بالسيف شيئا قط ، بل استولى على العقول والقلوب والضمائر بقوّة سلطانه . لذلك تعاقبت على أممه دول حكمتها وقهرتها وتحكمت فيها ؛ فلم يغير ذلك من إسلامها ولا غير من إيمانها . وما تزال أوروبا الينوم تحكم الشعوب الإسلامية وتتحكم فيها ، ولن يغير ذلك من إيمانها باللّه شيئا . فأمّا الذين يأخذون المسلمين اليوم بالسيف فمصيرهم ، كي تصدّق عليهم كلمة الإنجيل ، أن يؤخذوا بالسيف جزاء وفاقا . عصبة الأمم الإسلامية ردّ النبي الأمراء إلى إماراتهم والملوك إلى ممالكهم . ولقد كانت بلاد العرب في آخر عهده عصبة أمم عربية إسلامية ، ولم تكن فيها مستعمرة خاضعة لمكة أو ليثرب . كان العرب يومئذ جميعا سواسية أمام اللّه في إيمانهم المتين به وكانوا جميعا يدا واحدة على من اعتدى عليهم أو حاول فتنتهم عن دينهم . وظلت الأمم الإسلامية من بعد ذلك وإلى عهد الانحلال عصبة أمم إسلامية ، مقرّ الخليفة فيها هو مقرّ العصبة . لم تستأثر دار الخلافة بالسلطة الروحية ولا استأثرت بالعلم ونوره ؛ بل كانت كل الأمم الإسلامية لا تعرف سلطة روحية غير أمر اللّه . وكانت العواصم الإسلامية كلها عواصم للعلم والفن والصناعة ؛ وظلّ ذلك شأنها حتى تغير المسلمون للإسلام ، وأنكروا مبادئه الكريمة ، ونسوا أخوّة المؤمنين ، ونسوا أن المرء لا يكمل إيمانه حتى يحبّ لأخيه ما يحب لنفسه . هنالك غلبت عليهم الأثرة . وهنالك لعبت السياسة المدمرة أدوارها فصار السيف حكما . ومن يأخذ بالسيف فبالسيف يؤخذ . لذلك نهضت أوروبا المسيحية منذ القرن الخامس عشر الميلادي إلى حياة روحية جديدة ، ربما كانت تفيد العالم حقّا لولا أن أسرع إليها الفساد الذي لم يكن منه بدّ بسبب تفرّق المسيحية شيعا . على أنها في فترة النهوض هذه واجهت الأمم الإسلامية التي نسيت الإسلام فأخذتها بالسيف وظلّت ممعنة في أخذها به ، ثم جعلته بينها وبين الأمم الإسلامية حكما . ومتى حكم السيف فقل على العقل وعلى العلم وعلى الخير وعلى المحبة وعلى الإيمان بل على الإنسانية نفسها العفاء . وحكم السيف العالم اليوم هو سبب هذه الأزمة الروحية والنفسية التي يجتازها العالم ويئن من هولها . وقد آمنت الدول التي تحكم العالم بالسيف أثناء الحرب الكبرى الماضية ، أي منذ عشرين سنة ، بهذه الحقيقة فأرادت أن تقرّ حكم السلام في العالم ، وأقامت عصبة الأمم لتحقيق هذه الغاية . وعهدة هذه العصبة تتلخص كلها في قوله تعالى : ( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) « 1 » . روح السلام في العالم لكن روح السلام لم تسد العالم بعد ؛ لأن أساس الحضارة الغالبة فيه هو الاستعمار ؛ الاستعمار القائم على أساس القوميات وتنافسها ومحاولة كل دولة قويّة استغلال الدول الضعيفة . ومن حق كل أمة مغلوبة على أمرها ، بل أوّل واجب عليها أن تعمل لتحطيم نير الغالب . ولذلك كان الاستعمار بذرة الثورة والحرب ونواتهما . فما بقي الاستعمار فلن يكون للسلام الغلب ولن تضع الحرب أوزارها إلا ظاهرا ، وستظل الأمم ينظر بعضها إلى بعض نظرة التوجّس والحذر ، بل نظرة التربّص للاغتيال . وأنّى يكون سلام وهذه النفسية

--> ( 1 ) سورة الحجرات آيتا 9 و 10 .